سقوط الأقنعة في دمشق: تقرير أمريكي يوثق فظائع طائفية ومجازر جماعية برعاية “سلطة الأمر الواقع”

تلقّت الأوهام التي سوّقتها “سلطة الأمر الواقع” في دمشق حول حماية التعددية والتأسيس لدولة المواطنة صدمة حقوقية ودولية عنيفة، بعد صدور التقرير السنوي للجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية (USCIRF) بتاريخ 14 مايو 2026. التقرير قدّم تشريحاً قاتماً للوضع السوري خلال عام 2025، مؤكداً حدوث تدهور خطير وغير مسبوق في ملف الحريات الدينية وسيادة القانون، وحمّل الإدارة الانتقالية الجديدة التي تهيمن عليها مفاصل النظام السابق لـ”هيئة تحرير الشام” المسؤولية المباشرة عن التسامح المنهجي والمستمر مع انتهاكات فظيعة واستهداف طائفي وعرقي للمكونات السورية.
الوثيقة الدولية الصادمة كشفت بالوقائع والأرقام زيف الوعود التي أطلقتها الإدارة الحاكمة في دمشق برفض الطائفية؛ إذ أثبتت التحقيقات التي أجرتها الأمم المتحدة ومنظمات دولية كبرى مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” تورطاً مباشراً وجوهرياً لقوات الأمن ووزارتي الداخلية والدفاع التابعة للسلطة الانتقالية في عمليات قتل خارج نطاق القضاء، واختطاف، وتعذيب، واعتداءات جنسية، فضلاً عن دمج كيانات متطرفة مصنفة دولياً ضمن مؤسساتها العسكرية والأمنية الرسمية، وتطهير الأقليات من الوظائف العامة، وتقديم إعلان دستوري مشوه يفتقر لأدنى ضمانات حماية حرية المعتقد.
التقرير وثّق محطات دموية قادتها فصائل وعناصر مسلحة موالية ومنتسبة مباشرة للسلطة الحاكمة، وصفتها الوثيقة بـ”المجازر الطائفية”، وأبرزها ما جرى في 7 مارس من العام الماضي، حين حشدت وزارة الدفاع الانتقالية آلاف المقاتلين بذريعة إخماد تمرد على الساحل السوري، لينفذ المسلحون عمليات إعدام جماعية من منزل إلى منزل بحق مدنيين علويين في طرطوس واللاذقية وجبلة، مستخدمين عبارات طائفية ومخلفين أكثر من 1500 قتيل في يومين فقط.
ولم تتوقف الفظائع عند هذا الحد، بل امتدت في أبريل لتقود إلى استهداف دموي للمواطنين الدروز في ضاحية جرمانا بدمشق إثر تحريض إعلامي، وصولاً إلى أحداث السويداء في يوليو، حيث تدخلت القوات العسكرية التابعة لدمشق ضد السكان المحليين بدلاً من كبح العنف، مما رفع حصيلة الضحايا الدروز إلى نحو 2000 قتيل، مع رصد ظهور ذات المقاتلين الذين ارتكبوا مجازر الساحل في مارس ليعيدوا إنتاج الجرائم ذاتها ضد دروز السويداء، ناهيك عن تفجير كنيسة مار إلياس الأرثوذكسية بدمشق في يونيو ومقتل 25 مسيحياً أثناء الصلاة.
هذا الفلتان الممنهج واكبه بطء متعمد وانعدام تام للشفافية والمحاسبة من قبل لجان التحقيق الصورية التي شكلتها وزارة العدل في دمشق؛ حيث سعت اللجان للتغطية على تورط عناصر الأمن العام والجيش، وتأخرت لأشهر في توجيه التهم للمتورطين، في وقت استمرت فيه خلايا تنظيم “داعش” باختراق الأجهزة الأمنية الانتقالية وشن هجمات دامية، كان من بينها تصفية جنديين أمريكيين ومترجم على يد عنصر يخدم في قوات الأمن التابعة للسلطة.
أمام هذه الحقائق المرعبة، وجّهت اللجنة الأمريكية توصيات حاسمة وصارمة إلى الإدارة والكونغرس في واشنطن، تطالب بإعادة تصنيف سوريا كـ”دولة مثيرة للقلق بشكل خاص” (CPC) بموجب قانون الحرية الدينية الدولية، وفرض عقوبات مستهدفة وتجميد أصول المسؤولين في السلطة الانتقالية ومنعهم من دخول الولايات المتحدة، مع تشديد الشروط على أي تقارب سياسي أو اقتصادي. كما فرض الكونغرس شروطاً صارمة في قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) تلزم الرئاسة الأمريكية بتقديم شهادات دورية تثبت قيام سلطة دمشق بخطوات حقيقية لحماية التعددية، وإبعاد المقاتلين المتورطين بالجرائم الطائفية من الرتب العسكرية، لتجد السلطة الحاكمة نفسها في مواجهة حصار دولي وقانوني جديد فرضه سلوكها القمعي وإعادة إنتاجها لآلة الاستبداد برداء جديد.



